القاضي عبد الجبار الهمذاني

29

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ليصح ذلك فيه . ولهذه الجملة قال شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه : يجب فيه أن يكون مدركا أو في حكم المدرك ؛ لأنه رأى أن الواجبات على المكلف من حقها عند الحدوث أن تكون مدركة فتميزها بالإدراك من غيرها ، أو تكون بهذه المنزلة في أن الإنسان يجد ما ناله بفعلها من المشقة « 1 » ، فيميزها لذلك ولغيره من الوجوه من غيرها . فحكم أن اللطف يجب أن يكون هذا حاله لتصح بينهما المناسبة على هذا الحد . ولهذه الجملة قال في النوافل الشرعية إنها ألطاف في أمثالها من الواجبات ، ومنع من إثبات نفل لا نظير له في الواجبات في جملته أو في تفاصيله . ومن حق هذا اللطف أن لا يكون إلا حسنا على ما تقدم القول فيه ؛ لأنه إذا كان لا بدّ من أن يفعله تعالى فيجب أن تنتفى عنه صفة القبح التي لا تثبت في أفعاله تعالى . ومن حقه أن يكون واجبا ، إذا تأخر عن حال التكليف من حيث إن التكليف السابق يجرى مجرى وجوبه على ما نبينه من بعد . فأما قيام غيره مقامه ، أو دخول البدل فيه ، فسنذكره من بعد . ومن حقه أن يقدم حال الفعل بوقت واحد ، يتضح كونه داعيا إليه . فأما تقدمه بأوقات كثيرة ، فقد اختلف فيه الشيخان رحمهما اللّه ؛ وسنذكره في فصل مفرد . ومن حقه أن يكون متميزا من وجوه التمكين ، فلا يكون له مدخل في التمكن به مما هو لطف فيه ، وإنما يكون له حظ الدواعي إلى إيثاره على غيره . ولذلك منع أبو هاشم ، رحمه اللّه ، في زيادة الشهوة وتغليظ المحبة بها أن تكون مفسدة ، لأن لها عنده حظا في وجه / من وجوه التمكين ؛ ولم يكن لها ( ) ذلك عند أبي على ، فكان عذره ، ومنع منها . ومن حقه أن لا يكون مضمنا أو مستقبلا لحال الفعل ؛ بل يجب أن يكون حاصلا أو في حكم الحاصل قبل حال وجوده . ولذلك منع أبو هاشم رحمه اللّه تعالى

--> ( 1 ) أي يحصل منها على شيء بعد أن تعب في أدائها .